البيئة والتكنولوجيا اقتراب أم ابتعاد

بقلم الأستاذ الدكتور مهدي صالح دوّاي
يرى روبرت شيل دريك ” ان الفرح والسكينة اللتين يحصل عليهما المرء حين يكون في حضن الطبيعة، هما تجربة روحية بالكامل تؤكد ان الارض كائن حي – وضمناً على الاقل – انثوي، وبالتالي علاقتنا العاطفية معها تشبه في الواقع علاقتنا مع أمّنا، لكننا لا ننتبه الى هذه الحقيقة بسبب أغراقنا في متطلبات الحياة المادية”.
يتعايش العالم اليوم مع مجموعة من التراكمات في خضم بوتقة شاملة من المجالات التي قد لا تغيّر النظام العالمي الراهن فحسب ، بل ربما ايضاً الطريقة التي عاش بها البشر طيلة السنوات العشرة آلاف الماضية ، فهذه التراكمات تتعايش معها سوياً ، وفي آن واحد ، ثورة في التكنولوجيا كما في الأيديولوجيا ، في الاقتصاد كما في الفكر ، في الزراعة التي ستنتقل قريباً مع( البيو تكنولوجيا) من الارض الى المختبرات ، كما في الصناعة التي بدأت تنتقل هي الاخرى من عالم المادة الى عالم المعلومات والافكار ، في الطب العضوي كما في الطب النفسي ، في مفاهيم القوة كما في نظريات السيادة والدولة – الامة والحدود .
وفي مسار آخر من التحوّلات نجد أن البيئة بمكوناتها قد دفعت ضريبة باهضه نتيجة لعوامل اقتصادية وتكنولوجية قاسية ذهبت بالكوكب الازرق الى الرمادية ، وفي سرد موجز لآخر أحوال البيئة نجد ان ثاني اوكسيد الكاربون قد ازداد بنسبة ( 35%) عما كان عليه قبل الثورة الصناعية ( منتصف القرن الثامن عشر ) ، وازداد معدل حرارة الارض بحدود ( 1.2 ) درجة خلال القرن العشرين ، في حين ارتفع منسوب مياه البحار حوالي ( 2.7 انجاً ) خلال السنوات الاربعين الماضية ، وتناقص الجليد القطبي بنسب كبيرة منذ العام 1978 ، ودرجة حرارة الارض هي الاقصى من اي وقت مضى ، ومجمل القول ان تلك التحوّلات في عناصر البيئة قد أدت الى انقراض ما يقرب من ( 7000) نوع وجنس من النباتات والحيوانات خلال ال 200 سنة الماضية .
ويتزامن مع تلك التحوّلات، تجاوز سكان الارض المليار الثامن، مما سيؤدي الى ضغط غير مسبوق على البيئة بسبب الحاجة الى مضاعفة الانتاج الزراعي، لاسيما وان هنالك ملياري انسان سينضمون الى ركب الافواه المحتاجة في افق العام 2050.
ان السردية السابقة كانت حتمية بفعل نتائج الثورات التكنولوجية الاربع عبر التاريخ المعاصر وآخرها الثورة الرابعة ( تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ) ، فعلى الرغم من الانجازات الرائدة في مجالات الحياة التي هيّئتها التكنولوجيا ، الا ان جدلاً واسعاً قد حصل بين انصار المكاسب وانصار الخسائر ، وما يجسد حقيقة هذا الجدل ، ان انصار المكاسب قد هيمنوا على ثلاثة ارباع موارد الارض على الرغم من نسبة الربع السكاني التي يمثلونها على مستوى سكان العالم ،أصبح هنالك انكشافاً غير مسبوق لموارد العالم النامي والمتخلف امام قاطرة التكنولوجيا الغربية في ظل اقتصاد معولم يرتكز على قسمة عمل دولية غير عادلة . اذ يلاحظ ان ما لا يقل عن ( 70%) من الناتج المحلي الاجمالي لمجموعة دول السبع المتقدمة يعتمد على السلع غير المادية ذات الصلة بالمعلومات بدلاً من السلع المادية الناتجة عن العمليات الزراعية او الصناعية ، وبشكل كبير تعتمد اقتصادات هذه الدول على أصول قائمة على المعلومات ( اقتصاد قائم على المعرفة ) ، وعلى الخدمات كثيفة الاستخدام للمعلومات ( بخاصة خدمات الاعمال والممتلكات والاتصالات والتمويل والتامين والترفيه ) ، وعلى القطاعات العامة الموجهة نحو المعلومات ( بخاصة التعليم والادارة العامة والرعاية الصحية ) .
يرى الكاتب ( سعيد محجو ) ضمن توجسه من تداعيات الثورة التكنولوجية المعاصرة ، ان لكل تكنولوجيا في تراكيبها الراهنة ، دوراً محدداً تؤديه ، فالفضائيات تمرر مخيلة الرؤية العالمية الجديدة للشركات العابرة للقوميات ، والمعلوماتية هي الجهاز العصبي الذي يسهّل تركيب نظام امبراطورية العولمة ، وتسمح الاتصالات بالتحويل الفوري لرؤوس الاموال والمعلومات عن ( مليارات المستهلكين ) ، اما الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الفضائية فتستخدم حالياً لتوسيع السوق العالمية الى مناطق جديدة عذراء هي الملاذ الاخير للكائنات الحية ، هذه التكنولوجيات وغيرها تلم شملها الآن لخلق ( عالم تقني ) مناف للديمقراطية والتعددية الحقيقية .
الامثلة كثيرة على نقاط التباعد ما بين البيئة والتكنولوجيا ضمن سردية الهيمنة الغربية على مفاتيح التكنولوجيا، على سبيل المثال، الشركات الكبرى هي التي قررت ان نعتمد على الطاقة النووية بدل الشمسية، على الرغم من الكوارث الكبرى التي تتسبب فيها الاولى، والتوازن البيئي الكامل الذي توفره الثانية، وهي اتخذت هذا القرار لان الطاقة الشمسية يمكن توفيرها من دون الشركات العملاقة، في حين ان الطاقة النووية تعتمد بالكامل على هذه الاخيرة.
ان مسالة الاقتراب والابتعاد ما بين البيئة والتكنولوجيا باتت وكأنها فرصة تاريخية اتاحتها التكنولوجيا للرأسمالية لكي تنعم بمصادر ديمومتها كنظام (اقتصادي – اجتماعي – سياسي) قادر على تجديد ذاته لأدامه البقاء من خلال التحكم بالمسافة ما بين البيئة والتكنولوجيا، وعلى الرغم من وجود هذا المسار نجد بالمقابل مسارات طموحة للاقتراب (التكنو-بيئي) بجهود مبعثرة لبعض التجارب الصديقة للبيئة ولدور المنظمات الراعية للبيئة.
ان المتيقن منه كطوق للنجاة هو تبني سردية الاقتراب ما بين البيئة والتكنولوجيا، لان في ذلك تتشكل الاقترابان الاخرى ما بين المادي والروحي، ما بين الفكر والتطبيق، ما بين الآلة والانسان. وبهذا السرد اقتبس (بتصرف) مقولة ” ان وجود النحل سيبقي مئة ألف نوع من النباتات لأنه يلقحها “.

