مقال بعنوان ملامح المستقبل المالي للاقتصاد العراقي بين مطرقة الإيرادات النفطية وسندان التحول الرقمي

مقال بعنوان ملامح المستقبل المالي للاقتصاد العراقي بين مطرقة الإيرادات النفطية وسندان التحول الرقمي

بقلم الأستاذ المساعد الدكتور عدنان طه كرفوع

لا يخفى على الجميع ان الاقتصاد العراقي يواجه تحدياً هيكلياً مزمناً يتمثل في الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، والتي تشكل نحو 90% إلى 98% من الإيرادات العامة. هذا الاعتماد يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية (مطرقة الإيرادات النفطية)، مما يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار المالي والتنمية المستدامة. في المقابل، يمثل التحول الرقمي فرصة استراتيجية وحتمية (سندان التحول الرقمي) لإصلاح هذا الخلل وتنويع مصادر الدخل. مطرقة الإيرادات النفطية يتسم الاقتصاد العراقي بكونه اقتصاداً ريعياً وحيد الجانب، مما يعني أن أية محاولة لإعادة البناء الاقتصادي مرتبطة بشكل وثيق بتطورات القطاع النفطي. وان انخفاض أسعار النفط يؤدي إلى خسائر مالية فادحة وعجز كبير في الموازنة. على سبيل المثال، خسرت الموازنة العامة نحو 4 مليارات دولار في شهر مارس 2020 وحده نتيجة انهيار الأسعار. فضلا عن هيمنة القطاع العام وضعف القطاعات الأخرى حيث يغيب النمو الكافي في قطاعات حيوية أخرى كالزراعة والصناعة والسياحة، مما يعيق التنويع الاقتصادي ويؤدي إلى ارتفاع النفقات التشغيلية واتساع فجوة العجز المالي. سندان التحول الرقمي

يمثل التحول الرقمي مساراً حيوياً للعراق لتحقيق التنمية المستدامة والتخفيف من المخاطر النفطية عبر، تنويع مصادر الدخل حيث يتيح الاقتصاد الرقمي فرصاً واعدة لتجسيد الأهداف التنموية. يمكن للحكومة بناء اقتصاد رقمي سيادي قائم على التكنولوجيا لتحفيز قطاعات جديدة وجذب الاستثمار الأجنبي. وكذلك الكفاءة والشفافية اذ يساهم التحول الرقمي في تحسين جودة البيانات وتعزيز الشفافية والكفاءة في العمليات الحكومية، مما يقلل الهدر ومكافحة الفساد. يولي البنك المركزي العراقي أهمية كبيرة لتعزيز الشمول المالي عبر مبادرات الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية، مما يتيح وصول الخدمات المالية لشرائح أوسع من المجتمع بتكلفة أقل. إن الإصلاحات التي تتبناها الحكومة العراقية هي حتمية، والاقتصاد الرقمي هو بوابة النفاذ إلى عالم التنمية المستدامة. يتطلب المستقبل المالي المستقر توازناً دقيقاً بين إدارة الثروة النفطية والاستثمار الجدي في البنية التحتية الرقمية، والانتقال من نموذج اقتصادي ريعي أحادي إلى نموذج متنوع ومستدام. في خضم القرارات الأخيرة والإجراءات التي اتخذتها الحكومة بخصوص تعظيم الإيرادات وعلى الأخص الإيرادات غير النفطية من اجل تعزيز الموقف المالي وتقليل فجوة العجز، يمكن تبني آليات تعظيم الإيرادات عبر التحول الرقمي، ومن هذه الاليات:

رقمنة الإدارة الضريبية: يتيح الانتقال إلى أنظمة ضريبية إلكترونية تقديم الإقرارات ودفع الضرائب بسهولة أكبر، مما يقلل التكاليف الإدارية على دافعي الضرائب والحكومة. كما تساعد الرقمنة في الحصول على إحصاءات دقيقة للوعاء الضريبي، مما يحد من التهرب الضريبي. أظهرت تجارب دولية أن تطبيق حلول التحول الرقمي في إدارة الضرائب أدى إلى ارتفاع التحصيل بنسبة تفوق 16% خلال سنوات قليلة. أتمتة العمليات الجمركية: يساهم تبني التقنيات الرقمية في أتمتة الإجراءات الجمركية، مما يعزز كفاءة تحصيل الرسوم ويحسن الرقابة على حركة السلع، وينعكس إيجاباً على الإيرادات الجمركية. الشمول المالي والمدفوعات الإلكترونية: يتيح تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول تحصيل الرسوم والخدمات الحكومية بكفاءة أكبر، مما يقلل الاعتماد على النقد ويزيد من الشفافية في المعاملات المالية. الربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية: يتيح التحول الرقمي ربط الجهات الحكومية المختلفة مثل البنوك، الجمارك، بقاعدة بيانات موحدة، مما يصعب إخفاء الأنشطة الاقتصادية ويسهل مراقبة المعاملات التجارية وتطبيق النظم الضريبية بدقة. الحوكمة الإلكترونية ومكافحة الفساد: تعزز الحوكمة الإلكترونية الشفافية وتوفر المعلومات للجمهور، مما يساهم في مكافحة الفساد المالي والإداري عبر آليات حديثة، وبالتالي الحفاظ على الإيرادات العامة.  باختصار، يوفر التحول الرقمي أدوات فعالة لتحسين الأداء المالي للحكومة عبر تنويع الإيرادات غير النفطية وضمان تحصيلها بكفاءة وشفافية أكبر.  ومن الأمثلة الواقعية على ذلك ما أعلنه مصرف الرافدين حيث أعلن قسم جباية الإيرادات الحكومية في مصرف الرافدين عبر موقعه الرسمي عن تحقيق نمو غير مسبوق في تسويات الجباية الإلكترونية لحسابات دوائر الدولة خلال عام 2024، مؤكداً تصاعد وتيرة التحصيل عبر شركات الدفع الإلكتروني، ما يعكس التطور الكبير في اعتماد الأنظمة الرقمية في إدارة الإيرادات الحكومية. ووفقًا للإحصائيات الصادرة عن مصرف الرافدين، بلغ إجمالي المبالغ المجباة خلال عام 2024 أكثر من 6.06 ترليون دينار عراقي، مسجلاً ارتفاعًا متواصلًا مقارنة بالشهور الأولى من العام، وقد شهد شهر أيلول 2024 أعلى معدل نمو، حيث بلغ إجمالي التسويات 838.5 مليار دينار، بنسبة 11.12% مقارنة بالشهر السابق. وفي مطلع عام 2025، واصل النظام أداءه القوي، حيث بلغ إجمالي المبالغ المحصلة في يناير 2025 نحو 707.5 مليار دينار، تلاه شهر فبراير بمبلغ 689.2 مليار ديناركما سجلت الدوائر الحكومية تزايدًا ملحوظًا في تفعيل نظام الجباية الإلكترونية، حيث ارتفع عدد الجهات المفعلة إلى 1,808 دائرة لغاية فبراير 2025، مقارنة بـ 1,395 دائرة في ديسمبر 2024. تحول رقمي يرسّخ الشفافية والكفاءة وأكد مصرف الرافدين أن هذا النمو الكبير يعكس نجاح توجهات الدولة في تعزيز التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد، وتحقيق مستويات أعلى من الشفافية والكفاءة المالية، كما شدد على أن النظام الإلكتروني للجباية يمثل ركيزة أساسية في تحسين آليات التحصيل وتقليل مخاطر الفساد المالي.