بقلم الأستاذ المساعد الدكتور احمد سمير نايف رئيس قسم الإدارة العامة
لم تعد معركة التسويق اليوم تُحسم في رفوف المتاجر، بل داخل أدمغة المستهلكين؛ حيث تتنافس الشركات العملاقة ليس فقط على جودة المنتج، بل على القدرة في التأثير العميق في الإدراك والوجدان. ففي تجربة علمية شهيرة أُجريت على (67) مشاركًا ونُشرت نتائجها في مجلة (Journal of Neuroscience)، تم استخدام تقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ أثناء عرض منتجي بيبسي وكوكاكولا، وكشفت النتائج مفارقة مثيرة؛ إذ أظهر الدماغ نشاطًا في مناطق الإحساس بالطعم عند تذوق البيبسي، بينما ارتبطت كوكاكولا بتنشيط مناطق أعمق في القشرة الجبهية المرتبطة بالذاكرة والعاطفة والهوية، وهو ما يفسر لماذا قد تتفوق بيبسي في اختبارات الطعم، لكن كوكاكولا تحسم المعركة في الأسواق، فالمستهلك لا يشتري ما يتذوق فقط، بل ما يشعر به. ومن هنا يتضح أن العلامة التجارية ليست مجرد منتج، بل تجربة نفسية متكاملة تُزرع في اللاوعي، وهو ما عززته حملات كوكاكولا التي ركزت على مفاهيم مثل “طعم الحياة” و”مليئة بالحياة”، لتربط المنتج بمشاعر إيجابية تتجاوز حدود الطعم.
هذا التحول لم يكن صدفة، بل يمثل بداية ظهور اتجاه حديث في عالم التسويق يُعرف بـ”التسويق العصبي” (Neuromarketing)، الذي لا يكتفي بدراسة ما يقوله المستهلك أو يعتقد أنه يريده، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل ما يحدث فعليًا داخل دماغه. ويعتمد هذا التوجه على دمج علم الأعصاب المعرفي مع استراتيجيات التسويق، من خلال استخدام تقنيات متقدمة مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة استجابات الدماغ للصور والإعلانات والمحفزات المختلفة، بهدف فهم أعمق للنوايا الشرائية والسلوك المستقبلي للمستهلك. وقد برز هذا المجال منذ أواخر التسعينيات، وتطوّر في مراكز بحثية متقدمة، لاسيما في الولايات المتحدة، ليصبح اليوم أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في رسم استراتيجيات التسويق الحديثة، حيث لم يعد السؤال: ماذا يريد المستهلك؟ بل أصبح: كيف يفكر… وكيف يمكن التأثير على قراره قبل أن يتخذه؟
وفي هذا السياق يمكن قراءة انعكاس مثل هذه التجارب على المؤسسات التعليمة من حيث تبني استراتيجية جامعية لاستقطاب عقول الطلبة قبل تسجيلها اذ لم تعد المنافسة بين المؤسسات التعليمية تُحسم عند بوابات القبول أو في إعلان الحدود الدنيا، بل بدأت تُدار داخل عقول الطلبة قبل اتخاذ قرارهم الدراسي؛ حيث لم يعد الطالب يختار الكلية بناءً على التخصص فقط، بل على الصورة الذهنية التي تتشكل لديه عنها، وما تمثله من طموح وهوية ومستقبل.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يمكن للجامعات العراقية أن تعيد صياغة استراتيجياتها في استقطاب الطلبة عبر تبني ما يُعرف بـ”التسويق العصبي” (Neuromarketing) ولكن بصيغة تعليمية، بحيث لا تكتفي بعرض البرامج الدراسية أو الإمكانات المتاحة، بل تعمل على بناء ارتباط ذهني وعاطفي بين الطالب والمؤسسة قبل التحاقه بها. فبدلًا من الخطاب التقليدي الذي يركز على المعلومات الجافة، يمكن توظيف قصص النجاح الواقعية للخريجين، وعرض بيئة الكلية كمساحة لصناعة المستقبل، واستخدام محتوى بصري وتفاعلي يلامس طموحات الطلبة ويعكس نمط الحياة الجامعية بصورة جذابة وواقعية في آنٍ واحد.
وفي ظل التنافس المتصاعد اصبحت الجامعات الحكومية أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في الانتقال من “الإعلان عن القبول” إلى “صناعة الرغبة بالانتماء”. ويتحقق ذلك من خلال بناء هوية مؤسسية قوية، وتفعيل الحضور الرقمي المؤثر، وإدارة تجربة الطالب المحتمل منذ لحظة تعرفه الأولى على الكلية وحتى اتخاذ قراره النهائي، بما يشمل التواصل المستمر، وتبسيط الرسائل، وربط التخصصات بفرص العمل الواقعية.
إن تبني هذا التوجه لا يعني تسويقًا سطحيًا، بل يمثل تحولًا في فلسفة التعليم نحو فهم أعمق لسلوك الطالب وقراراته، بحيث يصبح الهدف ليس فقط ملء المقاعد الدراسية، بل استقطاب العقول القادرة على التفاعل والإبداع. فالمؤسسة التي تنجح في الوصول إلى عقل الطالب قبل تسجيله، هي الأقدر على كسبه والاستثمار فيه على المدى البعيد. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال: كم عدد الطلبة الذين تقدموا؟ بل: كم طالبًا اختارنا عن قناعة؟ وهذه هي المعادلة الجديدة للمنافسة في التعليم العالي.