مقال بعنوان “الهيمنة المالية وفائض السيولة”

بقلم الأستاذ الدكتور علي وهيب عبدالله
تواجه السياسة النقدية تحديات كبيرة عندما تتسع هيمنة السياسة المالية على النشاط الاقتصادي، ولا سيما في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة مرتفعة على الإيرادات النفطية، مع محدودية التنوع في القاعدة الإنتاجية. ففي مثل هذه الحالات، قد تتراجع استقلالية السياسة النقدية تدريجياً نتيجة حاجة الحكومة المستمرة إلى مصادر لتمويل عجز الموازنة، الأمر الذي يضع البنك المركزي أمام مفاضلة بين تحقيق أهدافه النقدية، ومنها استقرار المستوى العام للأسعار وإدارة السيولة، وبين الاستجابة لمتطلبات تمويل المالية العامة.
وتظهر الهيمنة المالية عندما تصبح متطلبات السياسة المالية مؤثرة بصورة كبيرة في قرارات السياسة النقدية، بحيث تجد السلطة النقدية مقيدة في قدرتها على استخدام أدواتها لتحقيق الاستقرار النقدي. ولا تقتصر المشكلة هنا على ارتفاع حجم الاقتراض الحكومي، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقة بين عجز الموازنة وآلية تمويله وانعكاساتها على الميزانية العمومية للبنك المركزي والجهاز المصرفي. فعندما يتم تمويل العجز بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال الجهاز النقدي والمصرفي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة القاعدة النقدية ونمو السيولة المحلية بمعدلات لا تتناسب مع نمو الناتج الحقيقي.
وتزداد الاهمية في الاقتصادات الريعية، إذ إن ارتفاع الإنفاق الحكومي، ولا سيما الإنفاق الجاري، يؤدي إلى ضخ كميات كبيرة من الدخول والسيولة في الاقتصاد. وإذا لم يقابله توسع مماثل في الإنتاج المحلي، فإن جزءاً من هذه السيولة يتحول إلى طلب إضافي على السلع والخدمات، أو إلى طلب على الأصول والعملات الأجنبية، بدلاً من أن يتحول إلى استثمار منتج. ومن هنا لا تكون المشكلة في ارتفاع السيولة بحد ذاته، وإنما في الفجوة بين نمو السيولة ونمو الناتج الحقيقي والقدرة الاستيعابية للاقتصاد.
وقد تظهر بعض خصائص ما يمكن تسميته بفخ السيولة، ولكن ينبغي التمييز بين المفهوم التقليدي لفخ السيولة في النظرية الكينزية وبين الحالة التي تنشأ نتيجة تراكم السيولة في اقتصاد يعاني من ضعف قنوات الاستثمار والإنتاج. ففي المفهوم الكينزي التقليدي، يرتبط فخ السيولة بانخفاض أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية جداً، بحيث تصبح الزيادة في عرض النقود غير قادرة على تحفيز الطلب على الاستثمار. أما في الاقتصادات التي تعاني من فائض سيولة هيكلي، فقد تكون المشكلة مختلفة؛ إذ لا تكمن بالضرورة في وصول سعر الفائدة إلى الصفر، وإنما في ضعف انتقال السيولة إلى النشاط الاقتصادي الحقيقي.
فقد تتجه السيولة المصرفية الفائضة إلى الودائع أو الأصول المالية، أو تتحول إلى طلب استهلاكي، أو إلى طلب متزايد على النقد الأجنبي، خصوصاً عندما تكون توقعات التضخم أو توقعات انخفاض قيمة العملة مرتفعة. وفي هذه الحالة، تصبح العلاقة بين نمو المجاميع النقدية والنشاط الاقتصادي الحقيقي أكثر تعقيداً، ويضعف الأثر المتوقع للسياسة النقدية التقليدية على الاستثمار والإنتاج.
كما أن استمرار التوسع النقدي في ظل محدودية الاستجابة الإنتاجية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كفاءة مضاعف النقود. فارتفاع القاعدة النقدية لا يعني بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً في الائتمان المصرفي أو الناتج الحقيقي. وقد تتراجع قدرة الجهاز المصرفي على تحويل السيولة المتاحة إلى ائتمان منتج نتيجة ضعف الطلب الاستثماري، وارتفاع المخاطر، ومحدودية الفرص الاستثمارية، أو زيادة تفضيل المصارف للاحتفاظ بالسيولة بدلاً من توسيع الإقراض.
وتتعقد مهمة البنك المركزي أكثر عندما يحاول معالجة آثار السيولة المحلية من خلال سوق الصرف الأجنبي. ففي الاقتصادات التي تتسم بدرجة مرتفعة من الانفتاح على الخارج واعتمادها الكبير على الاستيرادات، يمكن أن تتحول الزيادة في السيولة المحلية إلى زيادة في الطلب على العملة الأجنبية. وقد يدفع ذلك البنك المركزي إلى زيادة تدخله في سوق الصرف بهدف الحد من التقلبات في سعر الصرف وامتصاص جزء من الضغوط الناتجة عن فائض السيولة.
غير أن التدخل المستمر في سوق الصرف لا يمثل حلاً جذرياً لمشكلة الاختلال بين السياسة المالية والسياسة النقدية. فهو قد يساهم في تحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف والأسعار على المدى القصير، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إذا استمرت الضغوط دون معالجة أسبابها المالية والنقدية. وبذلك تنتقل تكلفة الاختلال من السيولة المحلية إلى رصيد الاحتياطيات الأجنبية، وهو ما يجعل الاستقرار النقدي أكثر حساسية للصدمات الخارجية، ولا سيما الصدمات المرتبطة بأسعار النفط.
وعليه، فإن معالجة مشكلة السيولة النقدية لا تتطلب استخدام الأدوات النقدية فقط، وإنما تستلزم قدراً أكبر من التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، مع الحفاظ على استقلالية البنك المركزي في تحقيق هدف استقرار الأسعار. ويأتي في مقدمة ذلك ضبط مسار الإنفاق العام، وتحسين كفاءة الإنفاق الجاري والاستثماري، والحد من الاعتماد على التمويل النقدي للعجز، وتطوير أدوات إدارة السيولة بما يسمح للبنك المركزي بالتعامل مع الفوائض النقدية دون انخفاض غير ضروري للاحتياطيات الأجنبية.
إن استعادة فاعلية السياسة النقدية لا تعني عزلها عن السياسة المالية، وإنما تعني بناء علاقة مؤسسية واضحة بين السياستين، بحيث لا تتحول السياسة النقدية إلى أداة دائمة لتمويل الاختلالات المالية. فاستدامة الاستقرار النقدي تتطلب في النهاية أن يكون نمو السيولة متوافقاً بدرجة معقولة مع تطور الناتج الحقيقي، وأن يكون تمويل العجز العام قائماً على أسس مالية مستدامة، بما يتيح للبنك المركزي استخدام أدواته بصورة أكثر فاعلية في تحقيق استقرار الأسعار وسعر الصرف وتعزيز الثقة بالاقتصاد.

