مقال حول التحوّل البنيوي في الاقتصاد العالمي ” من العولمة الى اعادة تشكيل القواعد”

مقال بعنوان التحوّل البنيوي في الاقتصاد العالمي ” من العولمة الى اعادة تشكيل القواعد”
بقلم الاستاذ الدكتور مهدي صالح دوّاي
يشهد الاقتصاد العالمي اليوم تحوّلاً جذرياً وبنيوياً متعدد الابعاد، لا يقتصر على أزمات عابرة، بل يمثّل انتقالاً من اقتصاد كان قائماً على العولمة المنفتحة، الى نظام جديد مازال في طوّر التشكّل وتحديد المعالم، وقد مثّل هذا الانتقال فرصاً وتحديات لدول العالم وفقاً لتباين قدراتها الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية.
وعند الاشارة الى التحوّل البنيوي في الاقتصاد لابد من تفريقه عن التقلّب الاقتصادي، اذ يشير التقلّب الى حالات الارتفاع والانخفاض في مؤشرات الاقتصاد الكلي (النمو- التضخم – البطالة)، والتي اعتاد العالم – لاسيما الرأسمالي – على التعايش معها كل بضع سنوات، في حين يشير التحوّل البنيوي الى تغير البناء المؤسسي (الهيكلي) للاقتصاد ذاته، والذي يمس ويحوّل طريقة انتاج الثروة وتوزيعها واستهلاكها، والتغير في طبيعة القوى التي تدير هذا النظام.
أولاً: مسببات التحوّل
1- العامل التكنولوجي : أذ أسهم التطوّر الرقمي ممثلاً بتكنولوجيا الجيل الرابع – الذكاء الاصطناعي – في اعادة تشكّيل واقعنا الفكري والمادي ، وتغيّر فهمنا لذواتنا ، وللكيفية التي تربطنا ببعض ، وفي تحسين كيفية تفسيرنا للعالم من حولنا ، كل هذا التسارع قد حفزنا نحو فهم جديد للتغيير ،على عكس الفهم التقليدي لمراحل التطور السابقة ، ان ما يجعل الثورة التكنولوجية الرابعة أكثر تأثيراً في التحوّل ، انها انطلقت من ثنايا الثورة التكنولوجية الثالثة – المعلومات والاتصالات – لكنها تتميز في انها دمجت كل التكنولوجيات معاً ، الامر الذي يبدد الخط الفاصل بين ما هو مادي ، و ما هو رقمي وبايولوجي ، كما انها تتميز بسعة المدى ، وبالسرعة الفائقة ، فكان تطورها كقفزات وليس بمنحى خطي مراحلي .
2- العامل الديموغرافي : لم يشهد تأريخ البشرية عدداً من الناس على قيد الحياة مثل ما نراه اليوم ، وبيننا من المعمرين أكثر مما عرفه العالم في أي وقت مضى ، وعلى الرغم من النجاحات الطبية ، وارتفاع معدل العمر المتوقع عند الولادة الى اكثر من ( 80) سنة ، الا ان درجة عدم المساواة عالمياً لا تزال مقلقة جداً ، من هنا فان التغيرات الديموغرافية كمياً ونوعياً قد أسهمت في تحفيز التغير البنيوي نتيجة الضغط على الموارد الطبيعية ( الامن الغذائي ) ، والاتجاه نحو المزيد من التكتلات الاقليمية (الامن القومي )، وبالتالي سيصل الضغط على البيئة الى نقطة الانفجار بسبب الحاجة الى مضاعفة الانتاج الزراعي أضعاف ما هو حالياً ، لان ملياري انسان سينضمون الى ركب الافواه المحتاجة الى الطعام في أفق 2050 ، ومعهم مليارات من المواشي والدواجن ، التي تحتاج هي الاخرى الى الغذاء وكميات هائلة من المياه .
3- العامل البيئي : اذ شكّلت الانتكاسات البيئية عاملاً محفزاً للتحوّل منذ نهاية الثمانينات ( اعلان برتلاند 1987 ) حول الاستدامة ، و ( مؤتمر الارض في البرازيل 1992 ) ، اذ لم يعد التحاور عن الاقتصاد الاخضر رفاهية بيئية ، بل أصبح أمراً اقتصاديا وسياسياً ملحاً ، لقد سرّعت القوى الرأسمالية من عجلة التطوّر بدءاً من الثورة الصناعية منتصف القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا ، الا ان الثمن الباهض كان التدهور البيئي ، اذا يرى المراقبون ( على سبيل المثال ) ان ثاني اوكسيد الكربون قد ازداد بنسبة (35%) على مستوى الكوكب عما كان عليه قبل الثورة الصناعية ، وتشير المعطيات الى ان هذا لم يحدث على مدى ( 650 الف سنة ) ، من هنا فأن التحوّل البنيوي للاقتصاد العالمي كرد فعل لسياسات بيئية مجهضة للطبيعة بشكل غير مسبوق .
ثانياً: مظاهر التحوّل
1- التحوّل في هيكل الانتاج والتجارة
وفقاً لمعطيات التجارة الدولية، فان مراكز الثقل التجاري قد تغيرت خلال العقود الاربعة الاخيرة لصالح أسيا ومناطق ناشئة أخرى، لاسيما الصين التي انتقلت من الدولة ذات المنتجات الشعبية الرخيصة الى عملاق تجاري منافس في صناعة السيارات والطاقة الشمسية ومحركات الذكاء الاصطناعي، وبالتزامن مع هذا الانتقال ظهر الى التداول مصطلحي (اعادة التوطين الصناعي)، و (التوطين لدى الاصدقاء)، مما يفضي الى ان التجارة باتت لا تحكمها الكفاءة والربح فقط وانما السياسة والامن.
والامر يتعلق ايضاً ببنية الاقتصاد نفسه، اذ نجد هنالك تراجع واضح في الصناعات الثقيلة والملوثة للبيئة لصالح تجارة الخدمات الرقمية والبيانات، فنجد ان اكبر (5) شركات منتجة ومسوقة على مستوى العالم هي شركات تكنولوجيا وليست شركات نفط او سيارات، وهذا التحوّل سيغير حتماً من طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة في سوق العمل.
2- التحوّل في النظام المالي والنقدي
بعد الازمة المالية في العام 2008 تعايش العالم لأكثر من عقد مع اسعار فائدة منخفضة ، وهو ما يعرف بالنقود الرخيصة ، التي شجعت الحكومات والشركات على الاقتراض السهل ، اما اليوم فقد عاودت الفائدة بالارتفاع لمواجهة التضخم ، مما افضى الى اعادة النظر بنماذج الاستثمار والنمو التقليدية ، وهو ما يعد تحوّلاً لافتاً من المنظورين المالي والنقدي ، وفي ذات الوقت تتعرض سيادة الدولار كعملة قيادية لاختبار الهيمنة ، اذ ان حصته تتراجع امام انظمة دفع بديلة وعملات اخرى بدأت بالارتقاء ( الإيوان الصيني ) ، اضافة الى جدية ( 150 ) دولة على تطوير عملاتها الرقمية المرتبطة ببنوكها المركزية .
ثالثاً: مألات التحوّل:
1- يمّثل الاقتصاد بشقه الدولي أحد أهم الرهانات التي تستند اليها الهيمنة والتنافسية، وهذا ما بدأت ترسمه العديد من مناطق القوى الجديدة الناهضة، لاسيما الصين ودول اسيوية اخرى، اضافة الى الهند والبرازيل، مما سيقلل من الهيمنة الغربية الاحادية، وسيختبر هذا الواقع دور المؤسسات الاقتصادية الدولية، وعلى راسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية في قيادة الاقتصاد الدولي في المراحل القادمة.
2- هنالك آثار سلبية سيفرزها هذا التحوّل في المديين القصير والمتوسط، كرد فعل من قبل الدول الرأسمالية، ومن تلك الآثار، الحروب التجارية وتجميد الارصدة وافتعال الازمات.
3- تشكّل الثورة التكنولوجية الرابعة قلب التحوّل البنيوي نظراً لنتائجها على الاصعدة كافة، مما سيفضي الى تقييم السياسات والادوار وفقاً لدرجات التفوّق في هذا الميدان.
وبالنتيجة فان هذا الواقع قد يفرض على الادارات والسياسات الحكومية ان تتبنى اطراً جديدة للتعامل مع المتغيرات الخارجية تختلف عن السابق ومحورها (التفوق التكنولوجي والتعليم المهارى وجودة الادارة).

