مقال بعنوان “قراءة في قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق”

بقلم المدرس الدكتور محمد صالح مهدي

“حدود المساواة في الرواتب والمخصصات بين موظفي الدولة” (المساواة لا تعني التماثل المطلق) أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارها بالعدد (125/اتحادية/2026) بناءً على طلب مقدم من رئيس مجلس الوزراء السابق( محمد شياع السوداني) لتفسير أحكام المادتين 14و 16 من الدستور، والمتعلقتين بمبدأي المساواة امام القانون وتكافؤ الفرص، وذلك على خلفية وجود فروقات في الرواتب والمخصصات والحوافز بين موظفي بعض الجهات الحكومية دون غيرها، وما اذا كانت هذه الفروقات تشكل مخالفة دستورية.

اولاً- موضوع طلب التفسير: اشار طلب رئيس مجلس الوزراء الى وجود تفاوت في الرواتب والمخصصات والحوافز بين موظفي الدولة، الامر الذي ادى إلى انتقال العديد من الموظفين الى الجهات التي تمنح امتيازات مالية اكبر، مما اثار تساؤلاً حول مدى انسجام هذه الفروقات مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليهما دستورياً.

ثانياً- الاساس الدستوري الذي استندت اليه المحكمة: المادة 14 من الدستور تنص على ان العراقيين متساوون امام القانون دون تمييز.  والمادة 16 من الدستور التي تقرر ان تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتلتزم الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيقه.

ثالثاً- المبدأ الذي قررته المحكمة: اكدت المحكمة ان المساواة امام القانون لا تعني المساواة الحسابية او المطلقة بين جميع الافراد او الموظفين في الحقوق والمزايا المالية، وانما تعني خضوع اصحاب المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، دون تمييز تحكمي او غير مبرر. وبعبارة اخرى، فإن الاشخاص الذين تتشابه مراكزهم القانونية يجب ان يعاملوا معاملة واحدة، اما اذا اختلفت طبيعة الوظيفة او المسؤوليات او المؤهلات او المخاطر او مستوى التخصص او طبيعة المهام، فإن اختلاف الرواتب والمخصصات يكون جائزاً دستورياً.

رابعاً- مفهوم تكافؤ الفرص في نظر المحكمة: اوضحت المحكمة ان مبدأ تكافؤ الفرص لا يقصد به توحيد النتائج بين الأفراد، وانما توفير شروط موضوعية وعادلة تسمح للجميع بالتنافس على اساس الكفاءة والجدارة، مع منح المشرع سلطة تقديرية في تنظيم الوظيفة العامة بما يحقق المصلحة العامة.

خامساً- متى يكون التفاوت في الرواتب مشروعاً: اعتبرت المحكمة ان اختلاف الرواتب والمخصصات والحوافز يكون مشروعاً اذا استند الى معايير موضوعية، منها: طبيعة الوظيفة والمهام الموكلة. وحجم المسؤوليات المترتبة على شاغل الوظيفة.  وشروط الخدمة والمؤهلات المطلوبة. ودرجة الخطورة والمخاطر المهنية. ومستوى التخصص والخبرة والانتاجية. ومدى مساهمة الجهة او الوظيفة في تحقيق المصلحة العامة.

سادساً- متى يصبح التفاوت مخالفاً للدستور: بينت المحكمة ان التمييز يصبح غير دستوري إذا كان: قائماً على اعتبارات شخصية او غير موضوعية. ولا يرتبط بطبيعة العمل او متطلباته. ويؤدي الى خلق امتيازات غير مبررة بين موظفين متماثلين في مراكزهم القانونية.  ويخل بمبدأ العدالة الوظيفية. ويشجع على انتقال الموظفين الى جهات معينة بسبب امتيازات استثنائية لا تستند الى اسس منطقية او قانونية.

سابعاً- الخلاصة:

خلصت المحكمة الاتحادية العليا الى ان مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص لا يفرضان توحيد الرواتب والمخصصات بين جميع موظفي الدولة، وانما يوجبان ان يكون اي اختلاف قائماً على اسس موضوعية مجردة ترتبط بطبيعة العمل ومتطلبات المصلحة العامة، اما التمييز غير المستند الى هذه الأسس فيعد تمييزاً تحكمياً مخالفاً للدستور.

والقاعدة الدستورية المستخلصة من القرار تفيد بأن المساواة امام القانون لا تعني المساواة المطلقة في الرواتب والمخصصات بين موظفي الدولة، وانما تعني خضوع اصحاب المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، ويكون اختلاف المزايا المالية جائزاً متى استند إلى معايير موضوعية ترتبط بطبيعة الوظيفة ومتطلبات المصلحة العامة.

المصدر: قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية بالعدد 125/اتحادية/2026 الصادر بتاريخ 12/4/2026.